خاطرة

 


كُنتُ أجلسُ قبلَ قليلٍ وأتأمَّلُ في الشَّجرِ والطُّيورِ ومخلوقاتِ الله، وكيفَ أنَّ الإنسانَ يَظنُّ أنَّهُ مَحورُ الكونِ، يَعرفُ كُلَّ شيءٍ، ويُخطِّطُ ويُدبِّرُ، لكنَّ الحقيقةَ غيرُ ذلك. اللهُ خَلَقَ الأكوانَ بمخلوقاتِها، وكُلُّ شيءٍ يَسيرُ وفقَ تخطيطِ وتدبيرِ الله، والإنسانُ مجرَّدُ جُزءٍ بسيطٍ في دائِرةِ الكونِ، لا يَملكُ أيَّ شيءٍ، هو كائنٌ بسيطٌ محدودُ العقلِ، ودائمُ القلقِ والخوفِ من المجهولِ ومِمَّا حولَه.

 

تأمَّلتُ في كَيفيةِ إنقاذِ اللهِ وتدبيرِه أُمورَ الناسِ، فرأيتُ عجبًا! اللهُ، وهو القويُّ القادِرُ، يُنقِذُ الناسَ بأبسطِ الطُّرُقِ وأيسرِها. يَظنُّ الواحدُ منَّا أنَّ المشكلةَ التي هو متورِّطٌ فيها الآن تحتاجُ إلى خُطَّةٍ سِحريةٍ أو خُطَّةٍ مُعقَّدةٍ وصعبةٍ كي تَنحلَّ، ولكنْ - بعدَما يَلتجئُ الإنسانُ إلى اللهِ - تَنحلُّ المشكلةُ بطريقةٍ سهلةٍ لم تكنْ في الحُسبانِ.

 

تأمَّلتُ كَيفَ أنَّ الإنسانَ، هذا الكائنُ الذي لو خَرجنا خارجَ الغلافِ الجويِّ أو حتى طرنا في السماءِ ونَظرنا، لم نَجدْه ولم يظهرْ لنا بالمقارنةِ مع باقي المخلوقاتِ الأخرى لصِغرِ حَجمه، يظنُّ بعقلِه المحدودِ أنَّهُ مَحورُ الكونِ، وبقدرتِه الضَّعيفةِ المحدودةِ أنَّ بِمقدورِه تدبيرُ حياتِه والتأثيرُ فيها وترتيبُها بالطريقةِ التي تُعجبُه، وهو لا يَدري أنَّ حياتَه مخطَّطةٌ له قبلَ ولادتِه. هذا لا يَنفي أنَّ الإنسانَ مُخيَّرٌ في ردودِ أفعالِه تجاهَ الأقدارِ والأحداثِ والإيمانِ.

 

يَظنُّ هذا الإنسانُ البسيطُ المِسكينُ الضَّعيفُ أنَّهُ يستطيعُ تدميرَ أو تحسينَ حياةِ غيرِه والتأثيرَ فيها، بلْ في بعضِ المراتِ يُهدِّدُ غيرَه بأنْ يُؤذيه أو يُوهمُ البعضَ بأنَّهُ سيُحسِّنُ حياتَهم إذا همْ فَعلوا ما يُحبُّ. وهو لا يَدري أنَّهُ مجرَّدُ أداةٍ بيدِ اللهِ سبحانه. بلْ هو سبحانه المدبِّرُ، والفاعلُ في المخلوقاتِ ما يَشاءُ لحِكمتِه المُطلقةِ وعِلمِه المُحيطِ اللامحدودِ. فهو سبحانه وتعالى ليس كالإِنسانِ، لدَيهِ الدَّوافِعُ الأرضيَّةُ. فالإنسانُ يتحرَّكُ ويَتصرَّفُ تِبعًا للعواطِفِ البشريَّةِ، فمثلًا يَنتقمُ ممَّنْ يُؤذيه. أمَّا اللهُ تباركَ وتعالى، أفعالُهُ كُلُّها حِكمةٌ - حتى ولو لم نَرَها - فالشرُّ الذي نَراهُ في ظاهِرِه شَرٌّ هو خَيرٌ - مِصداقًا   لقولِ رسولِنا محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ...».

 

مثلًا، لو أخذنا قصةَ سيدنا موسى عليه السلام عندما وُلِد، ظنَّت أمُّه أنَّهُ هالكٌ لا محالة، لأنَّ فرعونَ أمرَ بقتلِ الذكورِ المولودين حديثًا من بني إسرائيل. فلن تستطيعَ هذه الأمُّ المسكينةُ أنْ تُخبِّئَ ولدَها عن فرعونَ وجنودِه. فماذا كان حلُّ الله؟ ألهمَها اللهُ أنْ تُخبِّئَ ولدَها في تابوتٍ وتَرميَهُ في الماء، فيَقبضَه جنودُ فرعونَ ويأتوا بهِ إلى فرعون. هذه المجازفةُ الخطيرةُ التي في ظاهرِها شرٌّ، لكنَّ باطنَها كلُّ الخير. يُرسلُ اللهُ جُندًا صغيرًا وضعيفًا من جُنودِه، وهو القادرُ على تغييرِ الكونِ وتبديلِ الأحوال.

 

وبمقدورِه خَسفُ فرعونَ وحاشيتِه على الظلمِ الذي يرتكبُه، لكنه الحليمُ العليمُ الحكيمُ، يُلقي الحبَّ والشَّفقةَ في قلبِ السيدةِ آسيةَ زوجةِ فرعونَ على هذا الطِّفلِ الصغيرِ، ويُليِّنُ قلبَ فرعونَ للطفلِ - الذي كانَ من المفترضِ أنْ يُقتَل - فتبدَّلَ حالُ قلبِ فرعونَ في دقائقَ، وزالتْ كلُّ تلكَ القسوةِ بهذهِ البساطة.

 

تأمَّلْ حالَ فرعونَ الذي سخَّرَ قوَّتَهُ وجنودَهُ ومالَهُ ووقتَهُ وطاقتَهُ لقتلِ مواليدِ بني إسرائيلَ الذُّكورِ على مدارِ سنين، بسببِ رؤيةٍ، وكيفَ تبدَّلَ حالُهُ في ثوانٍ - بل أقلَّ من ذلك - لأنَّ اللهَ قالَ كنْ، فكان. فتأمَّلْ فِعلَ الإنسانِ الضَّعيفِ المخلوقِ، وفِعلَ اللهِ الخالِقِ القويِّ.

 

وبعدَ ذلكَ، لا يُمكنُ أنْ نَستغربَ من سيدنا موسى عليه السلام عندما ضاقَ بهِ الحالُ وبني إسرائيلَ من فرعونَ وأعمالِه الشنيعةِ بهم، فهربوا، ولحقَهم فرعونُ وجنودُه. وعندما وصلوا البحرَ، كان البحرُ أمامَهم وفرعونُ وجنودُه خلفَهم، فظنَّ بني إسرائيلَ المساكينُ بعقليةِ الإنسانِ الضَّعيفِ العَجولِ البسيطِ الذي لا يملكُ من أمرِه شيئًا أنَّه هالكٌ لا محالة. فما كانَ من سيدنا موسى عليه السلام إلا أنْ قال: (كلا إن معي ربي سيهدين).

 

لقد ذاقَ موسى وعَرف، ولديه تجاربُ سابقةٌ، يعلمُ أنَّ الأمرَ قد يكونُ مستحيلًا ولا توجدُ أسبابٌ ظاهرَةٌ لنجاتِهم، لكنه موقنٌ، ويَثقُ ثقةً عميقةً أنَّ اللهَ هو الفاعلُ الحقيقيُّ والوحيدُ في الكون. فقال مقولتَه، فأوحى اللهُ سبحانه وتعالى إلى البحرِ أنْ يَنشقَّ، فانشقَّ البحرُ شطرين، فنجا موسى وبنو إسرائيل، وهَلَكَ فرعونُ وجنودُهُ بنفسِ المعجزةِ التي أنقذَتْهم.

 

فاللهُ سبحانه العظيمُ يستطيعُ أنْ يُدبِّرَ أمرَك، ويُحقِّقَ أُمنياتِك، ويُنجيكَ من مصائِبكَ بطريقةٍ بسيطةٍ أو بمعجزةٍ عظيمةٍ. فقطْ، ثِقْ بربِّكَ، وتيقَّنْ أنَّ ما أصابَكَ لم يكنْ ليُخطئكَ، وما أخطأكَ لم يكنْ ليُصيبَكَ. ودَعْ للهِ تدبيرَ شؤونِك وترتيبَ حياتِك. فما تَراهُ الآنَ عشوائيًّا ستَفهمُه غدًا، وستكتملُ الصورةُ غدًا. فاصبرْ، وواصِلِ الدعاءَ أنْ يجعلَ لكَ من أمرِكَ رشدًا، وأنْ يهديكَ سُبلَ السَّلام. 

Comments

Popular posts from this blog

Decoding False Memory: What You Need to Know

Embracing Change: The Psychology Behind the Spark