خاطرة
أفكر في مدى شناعة الظلم وبشاعته، وكيف أنه فعل لا يمكن احتماله أو
التعايش معه من قِبل أي إنسان سويّ. التهميش، التحقير، وغياب الاحترام، كلها
تصرفات لا يمكن قبولها. هذا الشعور ليس مجرد فكرة نظرية، بل تجربة نلمسها في
تفاصيل الحياة اليومية. ربما ترى إنسانًا بسيطًا، مسكينًا، يتعرض للإساءة في
الشارع بأبشع الألفاظ، فتجد دماءك تغلي، ويتدفق الأدرينالين في عروقك، وتشعر بحاجة
تلقائية إلى الدفاع عنه والوقوف في وجه الظالم، حتى قبل أن تعرف أسباب هذه
الإساءة. هذه ردة فعل فطرية، تنبع من إنسانيتنا.
لكن، إذا كانت هذه الفطرة تدفعنا للدفاع عن الآخرين في مواقف بسيطة، فكيف
نقف صامتين أمام الظلم الأكبر، أمام الاعتداء على حقوق الإنسان، اغتصاب الممتلكات،
أو المساس بشرف الإنسان وكرامته؟ المنطق، الأعراف، الأخلاق، والدين جميعها ترفض
هذه الأفعال، ولا تقبل بها بأي حال من الأحوال. ومع ذلك، حين ننظر إلى واقعنا
اليوم، نجد مفارقة مؤلمة: العالم يتغاضى عن الظلم والعدوان الواقع على الأبرياء في
غزة والسودان. القيادات، المجتمعات، وحتى المؤسسات الدولية، وكأنهم فقدوا شعورهم
بالمسؤولية تجاه هذه المآسي. كأن هذه الأزمات لا تمس بشرًا لهم كيان، وتاريخ،
وماضٍ، وحاضر.
ما الذي حدث لنا؟ لماذا لا نتحرك تلقائيًا كما نفعل في المواقف البسيطة؟ لماذا هذا الصمت؟
في علم سلوك الإنسان، هناك نظرية تفسر هذا السكون الغريب تُسمى
"تأثير المتفرج"، حيث تشير إلى أنه عندما يتعرض شخص ما لموقف يحتاج فيه
للمساعدة، وُجد أن وجود مجموعة كبيرة من الناس حوله يجعل الأفراد يتقاعسون عن
التصرف، معتقدين أن شخصًا آخر سيتحمل المسؤولية. على النقيض من ذلك، عندما يكون
هناك شخص واحد في هذا الموقف، فإنه يشعر بضرورة التحرك والتصرف فورًا.
تأمل هذا المثال البسيط: امرأة عجوز تُسرق حقيبتها في الشارع وتطلب النجدة، ستجد أن قلة قليلة قد يتدخلون. ولكن إذا كانت هذه العجوز تمشي مع ابنها الشاب، وبدأ هذا الابن بملاحقة السارق، ستجد أن الناس يتجاوبون معه بسرعة ويقدمون المساعدة. الأمر غريب، لكنه يعكس واقعًا نعيشه يوميًا، حيث يتجنب الجميع تحمل المسؤولية ما لم يكن هناك من يشجعهم على ذلك.
فهل هذا هو السبب وراء صمت الشعوب؟ هل ننتظر جميعًا من يتحرك أولًا؟ أم أن هناك حالة من اللامبالاة والنرجسية الجماعية التي جعلتنا نتجاهل الألم الإنساني؟ أو ربما هذا هو بالفعل ما تريده القيادات والمجتمع الدولي، خطة مدروسة لإبقاء الشعوب مشلولة وغير قادرة على التحرك؟
أياً كان السبب، يبقى الأمل الأكبر في عدل الله. لدينا يقين أن الله عادل
وحسيب، لا يترك الظالم دون حساب. حتى إن لم نرَ هذا العدل يتحقق في الدنيا، فإن
حساب الآخرة قادم لا محالة، وسيُشفى به غليل المظلومين وتُطفأ نار الغيظ في
صدورهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
Comments
Post a Comment