ماذا يعني أن يكون لك هدف تحيا لأجله؟

 

ماذا يعني أن يكون لك هدف تحيا لأجله؟

أن يكون لك هدف تحيا لأجله يعني أن يتخلخل تفاصيل حياتك ويومك ويملأها شغفًا وحلمًا. هو أن تستيقظ كل صباح وأنت تتخيل لحظة تحقيق ذلك الهدف، تحضّر الكلمات التي ستقولها حين تصل إلى القمة، وتتخيل كيف ستبدو في ذلك اليوم، ما الذي سترتديه، ومن ستشكر، وكيف سيكون شعورك وأنت تعيش لحظة الانتصار. أن تعيش ذلك اليوم في خيالك قبل أن يتحقق، هو ما يجعل الهدف يستحق العناء.

لكنني أتساءل دائمًا: ما هو هذا الهدف الذي يستحق كل هذا الاهتمام؟

ربما يكون الهدف هو تحقيق ثروة مادية ضخمة، مبلغ محترم يسمح لك بشراء ما تريد، ومساعدة الآخرين، والاستمتاع بحياة الرفاهية. لكنني أتذكر أن جمع الثروة يتطلب وقتًا طويلاً وتضحيات جسيمة. قد تضطر إلى قضاء ساعات طويلة في العمل، مما يعني إهمال الوقت الذي من المفترض أن تقضيه مع أسرتك. وعندما تصل أخيرًا إلى ذلك النجاح، قد تجد أن الأسرة قد انشغلت بما يمليه الزمن، وأنهم ربما يمجدونك لحظة النجاح، ثم ينسونك بعدها.

أو ربما تستخدم كل طاقتك وجهدك في سبيل تحقيق هدفك، لتجد نفسك في النهاية محاطًا بالأمراض والأوجاع. لا تتمتع بما كسبت، ولا تستفيد من الوقت الذي كان يمكن أن تقضيه في الصحة والعافية. بل على العكس، قد تجد نفسك وحيدًا، غير محسوس به، وغير مقدر من قبل من حولك.

هل الشهادات المرموقة يمكن أن تكون الهدف؟

أتساءل أيضًا: هل يمكن للشهادات العلمية المرموقة أن تكون الهدف؟ مع العلم أنك لست بحاجة إلى شهادات عالمية لتصبح عالمًا. هناك العديد من الأمثلة في الشرق والغرب لعلماء أصبحوا مراجع في مجالاتهم دون أن يحملوا شهادات أكاديمية. الشهادات قد تمنحك مكانة اجتماعية مرموقة (برستيج) ووظيفة ذات دخل ثابت، لكنها ستظل تدور بك في فلك الرأسمالية التي تستهلكك دون أن تترك أثرًا حقيقيًا. قد تنسى الشهادات، وينسى الآخرون إنجازاتك، فهل يستحق ذلك كل هذا العناء؟

حتى لو كنت تنتمي إلى طبقة اجتماعية مرموقة أو أسرة معروفة، فهذا لا يعني أنك حققت نجاحًا بذاتك. أنت ولدت في هذه الظروف، ولم تخترها. النجاح الحقيقي يجب أن يكون شيئًا تبنيَه بنفسك، وليس شيئًا ورثته.

هل تكوين أسرة محبة هو الهدف؟

ربما يكون الهدف هو تكوين أسرة محبة ومتآلفة. لكن يبقى السؤال قائمًا: هل هذا هدف لك أم لغيرك؟ أنت بتحقيقك لهذا الهدف تكون قد أفدت أفراد أسرتك والمجتمع، لكن ماذا عنك أنت؟ هل حققت شيئًا لنفسك؟ على الأقل، ستعيش مرتاح الضمير والبال، وهذا بحد ذاته إنجاز لا يُستهان به.

قصة السنوار: الهدف الأسمى

قبل فترة، سمعت في الاخبار عن موت يحيى السنوار وتأثرت كثيراً ورأيت الناس جميعاً متأثرين. لاحقًا، شاهدت وثائقيًا عن كتائب القسام، وتعمقت أكثر في شخصية السنوار. الرجل، رغم بساطته، كان صادقًا في ما يدعيه، واضحًا في أهدافه منذ البداية. لم يحقق ثروة ضخمة، ولم يحصل على شهادات عالمية مرموقة (رغم علمه الغزير وثقافته الواسعة)، ولم يرَ نتائج تكوين أسرة محبة. لكن ما الذي جعله ناجحًا في تحقيق هدفه؟ وما هو هدفه بالأساس؟

قبل الإجابة، أود أن أوضح شيئًا مهمًا: الهدف يجب أن يكون شيئًا أكبر من الإنسان نفسه، وغاية أسمى من الطموحات المادية البشرية. في حالة السنوار، نرى أنه كان يعمل ضمن مجموعة ونظام هدفه الأسمى هو تحرير الأرض من الاحتلال. الهدف هنا لا يُقاس بفرد واحد، بل بالمجموعة ككل، ولا يُقاس بزمن محدود، بل بحياة النظام والمجموعة بأكملها. بالنسبة للسنوار، هو وفّى بغايته الفردية، سواء أكان ذلك بالنصر أو بالشهادة. هو استشهد في سبيل تحرير الأرض، وحتى لو لم يشهد نصر المجموعة او تحرير الأرض بنفسه، فقد حقق الشهادة التي كان يطمح إليها.

صدق السنوار في ما كان يدعيه جعل صوته يصل إلى أعدائه قبل أصدقائه. الصدق هنا ليس مجرد قول الحقيقة، بل هو التزام داخلي بالقيم والمبادئ. الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قال: "الصدق هو أعلى فضيلة، وأصعبها تحقيقًا." الصدق مع النفس ومع الآخرين هو ما يجعل الأهداف الكبيرة تتحقق، وهو ما يجعل الإنسان يعيش حياة ذات معنى. 

لقد ذكرنا السنوار بجيل الصحابة الذين لم نعايشهم، لكننا رأينا قيمهم تتجسد في أمثاله. بعض الصحابة لم يشهدوا فتوحات الإسلام، لكنهم كانوا صادقين في عهدهم مع الله، كما قال تعالى: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" [الأحزاب: 23]. هؤلاء الصحابة كانوا جزءًا من نظام أكبر حقق غايته في النهاية، والفرق بينهم وبين غيرهم كان الصدق.

الخاتمة: الصدق هو الأساس

في النهاية، يكمن الدرس في أن الهدف الحقيقي الذي يستحق أن تُحيا لأجله يجب أن يكون أسمى من مجرد المكاسب المادية أو الشهادات، وأن يتجاوز حدود الذات ليشمل قضية أكبر أو رسالة سامية. إنما يكون النجاح الحقيقي في الحياة حين يصدق الإنسان نفسه، ويعيش وفق مبادئه وقناعاته دون أن يتخلى عن إنسانيته، فذلك الصدق الداخلي هو الذي يعلو فوق كل شيء، ويمنحك مكانًا رفيعًا في ذاكرة الزمن.

 

رحم الله أبا إبراهيم (السنوار) وجعله في عليين. 🤲

 


Comments

Popular posts from this blog

Decoding False Memory: What You Need to Know

خاطرة

Seeking Belonging and Embracing One's Uniqueness