التعلق بغير الله مذلة
تخيل أن لديك شخصًا عزيزًا عليك جدًا، فلنقل صديقًا، تحبه حبًا جمًا، لا تصطبح إلا بوجهه، وتشعر بوجود البركة والسرور عنده. تلجأ إليه عندما يضيق صدرك أو تُحزنك هموم الدنيا، وهو أول من تستشيره عندما يشكل عليك أمر، فيبسط لك الأمور ويحلها لك. تأنس بوجوده، ويمنح حياتك معنى وطعمًا ورائحة، فهو هاشٌّ باشٌّ، سهلٌ لين؛ باختصار، هو محور حياتك والفلك الذي تدور حوله.
ماذا يكون شعورك عندما تفقد مثل هذا الإنسان؟!
بالطبع ستنهار، وتحزن حزنًا
شديدًا، أليس كذلك؟! بل إن هناك من قد يفقد عقله أو يُقدم على الانتحار - لا قدر
الله - لعجزه عن تحمل ألم الفقد.
والآن، تخيل أن هذا الإنسان
العزيز والعظيم هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وتأمل كيف كان يعني للصحابة
رضوان الله عليهم. عندما توفي، كان وقع الصدمة عليهم كالصاعقة، فلم يصدقوا ما حدث.
ها هو سيدنا عمر رضي الله عنه، في هول الموقف، يعلن أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يمت، بل ذهب للقاء ربه كسيدنا موسى عليه السلام وسيرجع، حتى إنه توعد من
يقول غير ذلك بأن يضرب عنقه. ومن الصحابة من لم تحمله قدماه، ومنهم من أغمي عليه
من شدة الصدمة.
لكن، وسط هذا المشهد المزلزل، وقف سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ذو العقل الراجح والإيمان العميق والراسخ ، ليعيد الأمور إلى نصابها بكلمات خالدة: “من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.” ثم تلا قوله تعالى:
“وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ
عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ
شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ” [آل عمران: 144].
فماذا يمكن أن نستفيد من هذا الكلام؟!
إن التعلق الشديد بإنسان - مهما بلغت عظمته وأخلاقه وشرفه وحب الناس له - قد يتحول إلى نوع من العبادة، فيصبح هذا الإنسان كالمعبود من دون الله - والعياذ بالله. أنا لا أقول ألا تحب الناس، فالحب وتقلب القلوب أمر بيد الله وحده، فقد تجد نفسك تحب إنسانًا وتكره آخر من غير وعي منك أو توجيه، وهذا أمر لا يد لك فيه. ولكن ما أعنيه هو التعلق الشديد غير المنطقي بإنسان والحب الغير متزن لإنسان، بحيث يصبح محور حياتك ومركز وجودك، وهذا هو الأمر المذموم.
فالإنسان، في النهاية، ضعيف وفانٍ، له مدة زمنية - طالت أو قصرت - سيقضيها ويفنى. يمر بتقلبات مزاجية، يمرض، يضعف، يحزن، يغفل، ينسى، وقد ينشغل بآخرين عن أحبته الأوفياء. قد يتكبر أو يتفاخر بما يملك، وقد يتعالى على من يحبونه بصدق، وربما يخيب ظنهم في بعض المواقف، أو لا يجدونه إلى جانبهم وقت الشدة. هذه كلها صفات بشرية طبيعية.
لذلك، التعلق الشديد بشخص وربط
حياتك به يجعلك أسيرًا له، فتُرهن سعادتك بحياته، فإذا فني، فنيتَ معه، وإذا أصابه
مكروه، توقفت حياتك وتكدرت حتى يُشفى، وهذا مما لا يُعقل!
سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله
عنه، على الرغم من حبه الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الحب الذي شهد
به النبي نفسه - كان لديه بصيرة نافذة وفهم واضح لمعنى هذا الحب، فلم يخرج به عن
حدوده الصحيحة. فكان يدرك أن الحب الأعظم والتعلق الحقيقي يجب أن يكون بالله الحي
الذي لا يموت، بالدائم الباقي الذي لا يفنى.
فبذلك الحب والتعلق، يفوز الإنسان في الدنيا والآخرة، ويتحرر من أسر العبودية لغير الله، فهو سبحانه وتعالى الحق، وهو الخالق، ليس له صفات المخلوق من ضعف وغفلة ونسيان وتقلبات. حينما يكون تعلقك بالله، تصبح أقرب إليه، وتحتمي به من تقلبات الدنيا، فيحفظك وينجيك في الدنيا والآخرة.
حينها، يصبح سمعك لله، وبصرك
لله، وتغضب لما لا يرضي الله، وتفرح لما يرضيه. تتحول انفعالاتك كلها لله، فتكون
في معيته دائمًا، تحيط بك السكينة، ويغمرك الاطمئنان، ويسكن قلبك السلام، فتجد في
حياتك راحةً وسعادةً لا تزول.
Comments
Post a Comment