التأمل في النعم والغفلة الإنسانية





أفكِّرُ دائمًا في كمِّ النِّعم التي أنعم الله بها علينا، وأحمدُه عليها. وأتأمَّلُ كم أن الإنسان كنودٌ، يُحيطُ به النِّعم من كلِّ جانبٍ وهو لا ينتبه، يأخذها وكأنها مضمونةٌ له، كأنها حُقٌّ مكتسبٌ منذ ولادته، دون أن يدرك أن هذه النِّعم مجرَّد فضلٍ ومِنَّةٍ من الله عليه، وليس له فيها يدٌ ولا فضلٌ. الإنسان مجرَّد آخذٍ، وهذه النِّعم قد تُسلب منه في أيِّ لحظةٍ دون سابق إنذار. فالعاقلُ هو من يستشعر النِّعمة ويشكر عليها في كلِّ وقتٍ وحين، فأنت محاطٌ بالنِّعم منذ أن تصبحُ حتى تمسي.


لنأخذ مثالًا بسيطًا: العائلة. قد تقول: "ما المميزفي عائلتي؟" فأقول لك: نعم، عائلتك المباشرة والصغيرة نعمةٌ عظيمةٌ، بل نعمةٌ كبرى. يجب أن تستشعر هذه النِّعمة كلَّ حينٍ وتشكر الله عليها. أن يكونوا في صحةٍ وعافيةٍ، يعبدون الله، متحابِّين، مجتمعين غير متفرِّقين، تجدهم بجانبك وقت حاجتك، يساعدونك عندما تلجأ إليهم في مواجهة المشاكل والهموم؛ هذه نعمةٌ كبيرةٌ قد تزول منك في أيِّ لحظةٍ دون أن تدري. لا أقصد أنك ستخسرهم -لا سمح الله- ولكن الدنيا قد تشغلهم، وقد تضطركم الظروف إلى التفرُّق، فينشغل كلُّ فردٍ بحياته. لذلك، عليك أن تستشعر هذه النِّعمة بأن تعيش اللحظة بحواسِّك كلِّها، خاصةً تلك اللحظات التي تجتمع فيها مع عائلتك سعيدًا وفي عافية. يجب أن تكون حاضرًا بكليَّتك في هذه اللحظات، وتشكر الله على النِّعمة، فأنت لا تدري متى قد تُسلب منك.

استشعار النِّعمة والحضور في اللحظة يتطلَّب منك ألَّا تكونَ مُحمَّلًا بتصوُّراتٍ مسبقةٍ عن كيف يجب أن تكون اللحظات، أو أن تغرقَ في سيناريوهاتٍ مثاليةٍ مبتكرةٍ. كذلك، لا تدع التفكير في مشاكل مستقبليةٍ غير مفيدةٍ يعكِّر صفوَ لحظاتك، ولا تطلق أحكامًا مسبقةً على الأشخاص أو الأماكن أو حتى على نفسك، فهذه الأحكام قد تُفسد جوَّ المجلس أو المحادثة. عندما تُركِّز على ما يقصده الآخرون من حركةٍ أو همسةٍ، أو تبحث عن رسائل خفيَّةٍ، فإنك تفقد حضورك في اللحظة، وتصبح غافلًا عن النِّعمة التي أنت فيها.

ومن الأمور التي تجعلنا غافلين عن اللحظات وغير مقدرين لها، هي ما نعيشه في عصرنا هذا من هوسٍ بتصوير ومشاركة كلِّ لحظةٍ، ومقارنة أنفسنا ببعضنا البعض، ومحاولة التفاخر وإثارة الغيرة. فيصبح همُّ الإنسان الأوحد هو كيف سيظهر هذه اللحظة في أبهى صورةٍ، وكيف سيرسم المشهد، وكيف سيمثِّل فرحته المبالغ فيها. فتتحوَّل اللحظات إلى مجرَّد أدواتٍ للتباهي، ويغفل الإنسان عن قيمتها الحقيقيَّة، إلى أن يفقدها فجأةً دون أن يكون قد استمتع بها حقًّا. الله يعطينا هذه اللحظات لنعيشها بقلوبنا، وقد يأخذها متى شاء لحكمته سبحانه وتعالى.

لذلك، أيها الإنسان، عليك أن تكون حاضرًا بكليَّتك في النِّعم، مستشعرًا لها، حامدًا وشاكرًا الله عليها. فاللهم انا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك. 🤲

  

Comments

Popular posts from this blog

Decoding False Memory: What You Need to Know

خاطرة

Seeking Belonging and Embracing One's Uniqueness